السيد كمال الحيدري
38
معرفة الله
إذاً فالهداية الفطرية التي جُبِل الخلقُ عليها كفيلة هي الأخرى بتحريك الإنسان باتّجاه الكمال المطلق ، وتحقيق غاية وجوده الكبرى ، والحصول على رسوم الكمالات العليا ، ولذلك يمكن القول : إنّ مقتضى حال دعوة الأنبياء هو اليُسر واليسار في أداء مهامّهم الإلهية والقبول التامّ من قبل الرعية لها ، ولكنّ الإخلاد إلى الأرض « 1 » ، والدسّ في التراب « 2 » ، والانكباب على عالم المادّة ، حجب العقول عن الرؤية الحقّة وعكّر صفو القلب وأوجد الكدورة والشوب فيه . إنّ المكوث في عالم المادّة والقصور والنقص جعل ذلك الفرات العذب السائغ شرابه ملحاً أُجاجاً ؛ ذلك الماء السماوي الطاهر الذي فُطر الخلق عليه بما تقتضيه استعداداتهم الأوّلية . ولعلّ أروع الإشارات القرآنية قد تجلّت في قوله تعالى : أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا « 3 » ، ذلك الماء الذي خُلق منه كلّ شيء حيّ ، وَجَعَلْنَا مِنْ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ « 4 » ، فصار الكلّ بذلك الجعل الفطري عارفاً بربّه ولكن كلّ بحسبه فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا ، فكان الحدّ المعرفي لكلّ موجود قَدَرَه المحدود ولم يكن بقدر الماء نفسه ؛ لأنّه مطلق لا قدر له . وقد كان مقتضى هذا السيل المعرفي الإقرار به تعالى وتوحيد الإشارة
--> ( 1 ) إشارة إلى قوله تعالى : وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ الأعراف : 176 . ( 2 ) إشارة إلى قوله تعالى : . . . أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ . النحل : 59 . ( 3 ) الرعد : 17 . ( 4 ) الأنبياء : 30 .